ابو البركات

339

الكتاب المعتبر في الحكمة

لها بالرطوبة الريقية والحرارة الغريزية ثم تنفعل عنها انفعالا بحسبها فتلتذ النفس بموافقة ذلك أو تتأذى بمباينته بحسب حدوده وتلك هي الطعوم وتلك الآلة هي اللسان المستعين بالريق المتكيف بالحرارة الغريزية المظهرة لما استبطن من كيفيات اجزاء الملموس فينفعل عنها انفعالا لمسيا هو الذوق فالذوق لمس ذكى مع فعل طبيعي هو تفريق للمذوق بكيفية حارة ووصوله إلى اللامس أكثر لاختلاطه برطوبة موصلة هي الريق . واما الادراك بالشم فهو لمس مخصوص أيضا وانما لا يتفق المدرك بالذوق والمدرك بالشم من الشئ الواحد في كيفية واحدة لأن المشموم من الشئ غير المذوق منه أو لا يكون وحده المذوق بل المشموم من الشئ في أكثر الأحوال انما هي اجزاء بخارية تتحلل منه في الهواء وتصل إلى آلة الشم فتدركه النفس هناك كالادراك اللمسي الا انه يخالفه بما يخص الآلة من التأثر على الوجه الذي يخصها فيكون ذلك التأثر هو الشم والمذوق هو جملة اجزاء الشئ لطيفها وكثيفها فكثيرا ما يكون المحسوس بالشم من الشئ مباينا في الكيفية للمحسوس بالذوق منه حيث يغلب على المذوق البرد فيكون حامضا وعفصا والمشموم يغلب عليه الحر لأنه الاجزاء اللطيفة الحارة التي في مزاجه التي سهل تحللها لحرارتها فتكون لذاعة حادة ومعلوم ان الذائق الشام اللامس يشعر انه المبصر السامع . والقول بالقوة الذائقة والشامة كالقول باللامسة . وما قالوا بتكثير القوى في الذوق والشم لكثرة الكيفيات والمضادات المذوقة والمشمومة كما قالوا في اللمس وما منهما الا ما هو لمس وزيادة فكيف كانت القوة في كل واحد منهما واحدة وفي اللمس أربعة وليس كل شم يكون بما يتحلل بل قد يكون بما يستحيل من الهواء بكيفية المزيج فيفشو ذلك ويسرى فيشم الشئ من بعد بعيد لا يصح معه ان يقال إن الاجزاء المتحللة من ذي الرائحة تبددت في إحاطة مثل تلك المسافة من الفضاء وان كان مما لا يمتنع بحسب ما جوز من تجزئ الأجسام إلى غير حد لكن حصول ذلك بالفعل مما تستبعده الأذهان